سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده
37
رسائل في الفلسفة والعرفان
الوجودين ؛ إذ ليس مرادهم بالاتّحاد إلّاشهود الوجود الواحد المطلق الذي الكلُّ به موجود ، فيتّحد به الكلّ من حيث كون كلّ شيء موجوداً به ومعدوماً بنفسه ، لا من حيث إنّ له وجوداً خاصّاً به الكلّ ، فإنّه محال ، ولهذا الوجود الواحد ظهور ، وهو العالَم ، وبطون وهو الأسماء ، وبرزخ جامع فاصل بينهما ؛ ليتميّز به الظهور من البطون ، وهو الانسان الكامل ، فالظهور مرآة الظهور ، والبطون مرآة البطون ، وما كان بينهما فهو مرآة جمعاً وتفصيلًا . وإذا تقرّر هذا فلنرجع إلى ما كنا بسبيله ، فنقول : كما أنّ بين ذات الحقّ وذات الإنسان الكامل وعلم الحقّ وعلمه مضاهاة ، وأنّ كلّ ما فيها مجمل فهو فيها مجمل ، وكلّ ما فيه مفصّل فهو فيها مفصّل ، كذلك بين القلم وروح [ 1 ] الإنسان ، واللوح وقلب الإنسان ، والعرش وجسم الانسان ، والكرسي ونفس الانسان ، مضاهاة ، وكلّ واحدٍ منهما مرآة لما يضاهيه ، فكلّ [ 2 ] ما في القلم مجمل فهو في روحه مجمل ، وكلّ ما في اللَّوح مفصّل فهو في قلبه مفصّل ، وكلّ ما في العرش مجمل فهو في جسمه مجمل ، وكلّ ما في الكرسي مفصّلٌ فهو في نفسه مفصّل . إنّ الإنسان كتاب جامع لجميع الكتب الإلهيّة والكونية ، كما قلنا في حقّ الحقّ : إنّ علمه بذاته مستلزم لعلمه بجميع الأشياء ، وإنه يعلم جميع الأشياء من علمه بذاته ؛ لأنّه هو جميع الأشياء إجمالًا وتفصيلًا ، فمن عرف نفسه فقد [ عرف ] [ 3 ] ربّه وعرف جميع الأشياء ، ففكرك يا ولدي فيك يكفيك ، فليس شيء خارجاً منك ، كلا . قال أمير المؤمنين : دَواؤُكَ منكَ وما تشعُرُ * وداؤُكَ فيكَ وما تُبصِرُ [ 4 ] أتزعُمُ أنّكَ جُرمٌ صغير * وفيكَ انطوى العالَمُ الأكبرُ وأنت الكتابُ المبينُ الذي * بأحرُفِهِ يظهرُ المضمرُ
--> [ 1 ] في الأصل : الروح . [ 2 ] في الأصل : فلكلّ . [ 3 ] إضافة يقتضيها السياق . [ 4 ] في الأصل : دَاؤك فيك وما تشعروا * دواؤك منك وما تُبصروا . والصحيح ما أثبتناه .